فخر الدين الرازي

139

الأربعين في أصول الدين

واعلم : أنا قبل الخوض في الدليل ، نذكر ما يزيل هذا الاشكال . فنقول : انه لا يجب في كل شيء يخالف شيئا آخر ، أن تكون مخالفته له ، لأجل أمر زائد عليه . والّذي يدل عليه وجوه : الوجه الأول : ان الشيئين المختلفين . لو كان اختلافهما ، لأجل اختصاصهما بأمر زائد ، لكان ذلك الزائد ، اما أن يكون مخالفا للآخر ، أو لا يكون فإن لم يكن مخالفا للآخر ، امتنع كونه سببا لأن يصير غيره مخالفا للآخر . وان كان مخالفا للآخر ، وجب أن تكون مخالفته لأجل شيء آخر . ولزم اما التسلسل واما الدور . وهما محالان . فثبت : أنه لا بد من الانتهاء إلى شيئين يختلفان لنفسهما ، لا لأمر زائد . الوجه الثاني : وهو أن الذاتين إذا كانتا متساويتين من كل الوجوه ، ثم قامت بكل واحدة منهما صفة مخالفة للصفة القائمة بالذات الأخرى ، فعند هذا الفرض بقيت الذاتان كما كانتا متساويتين ، والصفتان كما كانتا مختلفتين ، وما كانتا متساويتين لا تنقلبان البتة مختلفين ، وما كانتا مختلفتين لا تنقلبان البتة متساويتين . وعند هذا يظهر أن المختلفتين لا يعقلان « 1 » الا أن يكونا مختلفتين لذاتيهما . وأما فرض أمرين يختلفتان بسبب أمر زائد على ذاتيهما . فذلك غير معقول . الوجه الثالث : انا إذا فرضنا ذاتا ، وقامت بها صفة . فالذات من حيث إنها هي ، لا بد وأن تكون مخالفة لتلك الصفة ، والا لم تكن إحداهما بأن تكون موصوفة ، والأخرى بأن تكون صفة أولى من العكس . وإذا كانت تلك الذات مخالفة لتلك الصفة ، كانت مخالفة تلك الذات لتلك الصفة ، لنفس الذات ، لا لأمر زائد . فثبت بهذه الوجوه : أنه لا بد من الاعتراف بأمور يخالف بعضها بعضا ، لانفسها وذواتها حيث هي هي ، لا باعتبار صفة قائمة بها .

--> ( 1 ) لا تعقلان : ب .